الرئيسية / عام / مدى اعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة وأثره على العقود المحلية والدولية

مدى اعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة وأثره على العقود المحلية والدولية

مدى اعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة وأثره على العقود المحلية والدولية.

لا شك ان الاوبئة تفرض نفسها كواقعة مادية تكون لها آثار سلبية واضحة يمكن رصد ملامحها على العلاقات القانونية بوجه عام وعلى العلاقات التعاقدية على وجه الخصوص حيث تتصدع هذه الروابط نتيجة ركود يصيب بعض قطاعات الاستثمار مما يجعل من المستحيل او على الاقل من الصعب تنفيذ الالتزامات أو يؤخر تنفيذها

والسؤال هنا هل تعتبر الاوبئة الصحية ومنها وباء الكورونا المستجد قوة قاهرة تؤثر على الالتزامات التعاقدية لكل من أطراف العقد؟

عند الحديث عن هذا الامر يتطلب منا التعريف بالقوة القاهرة وشروط تحققها:

عرف القانون المدني الكويتي في المادة 215 القوة القاهرة “بانه كل حادث خارجي عن الشيء لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه مطلقاً فهو ما يحدث قضاء وقدر ليس ناتج عن خطأ او اهمال من جانب المتعاقدين”.

وفرق القانون بين نوعين من استحالة التنفيذ لسبب أجنبي وهي الاستحالة الكلية – والاستحالة الجزئية:

 ففي الحالة الاولى ينقضي الالتزام بسبب القوة القاهرة وينقضي معه الالتزام المقابل على الطرف الاخر وبالتالي يتفرغ العقد من مضمونه فينفسخ من تلقاء نفسه ويزول.

أما إذا كانت الاستحالة جزئية فإن العقد لا ينفسخ كليا ويكون للدائن حسب الاحوال أن يتمسك بالعقد فيما يخص ما بقي ممكن التنفيذ من حقه وما يتناسب معه من الالتزام المقابل أو أن يطلب فسخ العقد برمته.

ويجب التنويه أن في حال زوال العقد نتيجة استحالة تنفيذ الالتزام نتيجة القوة القاهرة سواء كانت استحالة كلية أو جزئية لا يستحق الدائن تعويضا عما يناله من ضرر بسبب تفويت الصفقة عليه كلياً أو جزئياً لأن المدين هنا لم يخطيء وهذا ما يميز انفساخ العقد عن عن فسخه الذي لا يحول دون حق الدائن في التعويض الذي أصابه نتيجة خطأ المدين وكجزاء لإخلال المدين وتقصيره في الوفاء بالتزاماته التعاقدية

ولإعمال نظرية القوة القاهرة لابد من توفر عدة شروط:

  1. أن تكون االواقعة المشكلة للقوة القاهرة أجنبية خارجة عن ارادة المدين.
  2. أن تكون الواقعة غير متوقعة الحدوث من قبل المدين.
  3. استحالة دفع هذا الحدث أو القوة القاهرة.

وباسقاط ما سبق بيانه على واقعة الوباء العالمي لفيروس كورونا نجد أن الظروف المحيطة به أو الناتجة عنه تكون مجموعة من الاجراءات والقوانين والقرارات تتخذها الحكومات والدول لمجابهة هذا المرض تكون عائقا في تنفيذ العقود والاتفاقيات وتمثل (قوة قاهرة) فالقوة القاهرة لم تعد محصورة على واقعة بعينها فكل واقعة تتحقق فيها الشروط السابقة وجعلت من التنفيذ أمراً مستحيلاً تعد قوة قاهرة.

واستقرت احكام محكمة التمييز الكويتية على أن القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة بالنسبة للكافة وليست للبعض دون البعض الآخر أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة فإن الالتزام لا ينقضي معها بل تأثيرها يسري على وقف الالتزام فقط ويصبح الإلتزام قابلا للتنفيذ بزوال هذا الطارئ.

كل ذلك متوقفاً على اثبات وجود القوة القاهرة المترتبة على وجود هذا الفيروس.

ويقع عبئ اثبات القوة القاهرة على عاتق المدين ففي دعوى المسئولية إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا بد له فيه كقوة قاهرة ناتجة عن وجود فيروس كورونا كان غير ملزم بالتعويض وذلك لأنه أفلح في قطع رابطة السببية بين الخطأ والضرر مالم يوجد نص قانوني يقضي بخلاف ذلك (مادة 233 مدني)

في مجال العقود الادارية:

لا شك لأن معظم العقود الادارية تتضمن شرط الغرامة التأخيرية لتنفيذ الاعمال وهي صورة من صور التعويض الاتفاقي وفي حال حدوث تأخير التنفيذ أو تسليم الاعمال فإن الادارة تقوم بخصم قيمة الغرامة التأخيرية مما يكون مستحقاً في ذمتها للمتعاقد دون أن يتوقف ذلك على حدوث ضرر للإدارة ولا يستطيع المتعاقد مع الادارة أن ينازع في استحقاق الغرامة بحجة انتفاء الضرر أو المبالغة في تقدير الغرامة إلا إذا أثبت أن الأمر راجع إلى قوة قاهرة.

لذلك ليس على المتعاقد مع الادارة مسئولية التعويض إذا كان الإخلال بالإلتزام ناتج عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات والدول تجاه الحد من انتشار فيروس كورونا ولا يستطيع بدوره الوفاء بهذه الالتزامات نتيجة لهذه الاجراءات ويكون سبباً معفياً من المسئولية.

واتخذت فرنسا قرارات استباقية بعدم تطبيق غرامات التأخير على الشركات المرتبطة بعقود مقاولات مع الدولة للشركات التي تثبت تضررها من آثار فيروس كورونا بهدف حماية الاستقرار الاقتصادي.

القوة القاهرة ليست من النظام العام

والقوة القاهرة على الرغم من اعتبارها سبب للإعفاء من المسئولية إلا أنها ليست من النظام العام فيجب أن يتمسك بها المدعى عليه على سبيل الجزم واليقين على نحو يقرع سمع المحكمة فالمحكمة لا تملك تقرير قيامها من تلقاء نفسها.

وأتاحت المادة 296 مدني للمدين الاعفاء من المسئولية حال حدوث قوة قاهرة أو حادث مفاجيء إذا تم الاتفاق صراحة على ذلك.

واجازت المادة 295 مدني للاطراف الاتفاق على تحمل تبعة القوة القاهرة.

وفي مجال العقود الدولية

تعتبر العقود الدولية هي الاداة القانونية اللأكثر استعمالاً في مجال المعاملات المالية الدولية وادارة لتيسير التجارة الدولية العابرة للحدود وهذه العقود لا تختلف عن عقود التجارة الداخلية من حيث خضوعها لأحكام القوة القاهرة.

وطبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة والاجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقا لتنفيذ العقود وتقدير مدى اعتبار هذه الاجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الاجراءات التي اتخذتها الدولة وطبيعة الوباء وموضوع الالتزام ومدى تأثره بهذه الاجراءات فان توافرت شروط القوة القاهرة يعفى المدين من التزامه اما اذا لم تتوافر شروطها فان المسؤولية تكون قائمة قبل المدين فالأمر نسبي يرجع تقديره الى محكمة الموضوع وقدرة المدين على اثبات توافر شروط القوة القاهرة .

نصت اتفاقية الجات الدولية 1994 في المادة 7 على الأثر المعفى من المسؤولية ومنها وقوع كوارث طبيعية او توقف النقل او قوة قاهرة أخرى تؤثر بصورة كبيرة على المنتجات المتاحة للتصدير …

وعالجت مباديء العهد الدولي لتوحيد قواعد القانون الدولي الخاص حال وقوع القوة القاهرة في المادة 6 غلى أنه يحق للطرف المتضرر أن يطلب التفاوض من الطرف الآخر على تعديل بنود العقد فإن قبلها الأخير يستمر في التنفيذ العقد الدولي أما اذا فشلت عملية التفاوض فلا سبيل سوى فسخ العقد مع احتفاظ الطرف المتضرر بحقه في المطالبة بالتعويض وهذا ما أكدت عليه اتفاقيات دولية عديدة ومنها اتفاقية فيينا 1980 حيث قضت المادة 81 على أنه  بفسخ القعد يصبح الطرفان في حل من الإلتزامات التي يرتبها العقد مع عدم الاخلال بأي تعوض مستحق .

ونصت المادة 79/1 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن العقود الدولية على حماية مماثلة توفرها أحكام القوة القاهرة وقد تنطبق على العقود الدولية إلا إذا تم استبعاد تطبيق الاتفاقية صراحة من قبل الاطراف في العقد.

وعمليا شرط عدم توقع الحدث هو أحد أهم شروط القوة القاهرة والعبرة في تحديد توقع الحدث من عدمة هو النظر الى تاريخ ابرام العقد واستقر القضاء الفرنسي على ان شرط عدم التوقع الذي يبرر فسخ العقد يجب ان يكون قد ورد في الاتفاق قبل ظهور الوباء. 

والسؤال هنا ما هو التاريخ الواجب اتباعه في اعلان ظهور فيروس كورونا هل من تاريخ إعلانه بالصين أم تاريخ الاعلان بالبلد الذي توجد فيه الشركة التي تتمسك بالقوة القاهرة أم تاريخ اعلانه كوباء من منظمة الصحة العالمية؟

محكمة باريس سنة 1998 أصدرت حكم أكدت فيه على أن توقف الطائرة ببلد مجاور لمنطقة انتشر فيها وباء الطاعون لا يشكل خطر يفسر على انه قوة قاهرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لأطراف العقود ماذا تفعل إذا تعرض أياً من عقودك أو مشاريعك لآثار سلبية ناجمة عن فيروس كورونا المستجد:

أولا: مراجعة جميع العقود في السلسة التعاقدية للتأكد مما اذا كان تفشي الوباء يشكل قوة قاهرة في العقد إلا أن هذه الخطوة ليست بالضرورة شرطاً يشكل القوة القاهرة لانها تفشي الوباء قد يقع ضمن التعريف العام للقوة القاهرة كما ان القرارات والتشريعات الحكومية واللوائح والأوامر العامة مثل حظر السفر واغلاق الساحات والموانئ والمصانع والأضرار الناتجة عنها يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار.

ثانياً: الإخطار عن الحدث أو القوة القاهرة التي منعت من تنفيذ الالتزام والإخطار هنا يشمل تمديد الجدول الزمني لتنفيذ العقد أو أي مطالبة أخرى يتفق عليها الأطراف.

ثالثاً: التأكد من أن الحدث القوة القاهرة لفيروس كورونا لم يكن متوقعاً وقت التعاقد بشرط إثبات السببية بين ما احدثه فيروس كورونا من اجراءات ادت إلى التأخير في تنفيذ الالتزام.

وهذا ما اكدت عليه بعض الدول حيث قررت الصين منح شهادات القوة القاهرة للشركات الدولية التي تكافح من اجل التأقلم مع تاثيرات عدوى فيروس كورونا باعتباره مستند موثق لإثبات التأخير.

وفي الختام إذا كنت مشتركاً في مشاريع أو عقود مع أطراف قد تتأثر بتفشي فيروس كورونا فإننا نوصي بتقييم وضعك التعاقدي واتخاذ الاجراءات اللازمة للتأكد من أن حقوقك التعاقدية واتخاذ الاجراءات اللازمة للتأكد من أن حقوقك التعاقدية يتم الإحتجاج والتمسك بها بشكل صحيح وفي الوقت المناسب.    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.